محمد عزة دروزة
118
التفسير الحديث
مواضع العبرة في قصة إبراهيم عليه السلام أما العبرة فيما جاء في الآيات فهي قائمة في التطابق بين ما حكته من خطاب إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه وتنديده بهم وإعلانه البراءة منهم ونبذة عبادة الكواكب والأوثان التي كانوا يعبدونها واتجاهه إلى اللَّه تعالى وحده ومحاججة قومه له وإفحامه إياهم بالحجج التي ألهمها اللَّه له ، وبين ما حكته الفصول السابقة من مواقف مماثلة بين النبي صلى اللَّه عليه وسلم وقومه حيث ينطوي في ذلك تثبيت وتطمين للنبي صلى اللَّه عليه وسلم والمؤمنين وتنديد وإنذار وإفحام للمشركين . وإذا لا حظنا ما تواترت فيه الروايات من تداول العرب خبر صلتهم بإبراهيم بالنبوة والملة وتقاليد الحج وهو ما احتوى القرآن إشارات عديدة إليه ، منها آية سورة الحج هذه وجاهِدُوا فِي اللَّه حَقَّ جِهادِه هُوَ اجْتَباكُمْ وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ [ 78 ] وآيات سورة البقرة هذه وإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وأَمْناً واتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ والْعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ ‹ 125 › وإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وارْزُقْ أَهْلَه مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ قالَ ومَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُه قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّه إِلى عَذابِ النَّارِ وبِئْسَ الْمَصِيرُ ‹ 126 › وإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‹ 127 › رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأَرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ‹ 128 › . ظهرت قوة استحكام الإفحام والتمثيل والتذكير والإلزام . ومن مواضع العبرة في الآيات أيضا التنويه بأنبياء اللَّه وعباده الصالحين وذرياتهم التي سارت على طريقهم وما كان لهم عند اللَّه من الدرجات العليا والإشارة إلى أنهم لم يكونوا يصلون إلى ما وصلوا إليه لو ظلوا على الشرك مثل سائر قومهم ، حيث ينطوي في ذلك لفت نظر المشركين إلى أنهم إذا كانوا يكفرون بآيات اللَّه ويشركون معه غيره فقد رمن به أولئك الصالحون الذين أوتوا الحكمة